محمد بن جرير الطبري
587
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ولا تدخلن في مشورتك أهل الدقة والبخل ، ولا تسمعن لهم قولا ، فان ضررهم أكثر من منفعتهم ، وليس شيء اسرع فسادا لما استقبلت في امر رعيتك من الشح واعلم انك إذا كنت حريصا كنت كثير الأخذ ، قليل العطية ، وإذا كنت كذلك لم يستقم لك امرك الا قليلا ، فان رعيتك انما تعتقد على محبتك بالكف عن أموالهم وترك الجور عنهم ، ويدوم صفاء أوليائك لك بالإفضال عليهم وحسن العطية لهم ، فاجتنب الشح ، واعلم أنه أول ما عصى به الإنسان ربه ، وان العاصي بمنزله خزى ، وهو قول الله عز وجل : « وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * » ، فسهل طريق الجود بالحق ، واجعل للمسلمين كلهم من نيتك حظا ونصيبا ، وأيقن ان الجود من أفضل اعمال العباد ، فاعدده لنفسك خلقا ، وارض به عملا ومذهبا . وتفقد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم ، وادرر عليهم أرزاقهم ، ووسع عليهم في معايشهم ، ليذهب بذلك الله فاقتهم ، ويقوم لك امرهم ، ويزيد به قلوبهم في طاعتك وامرك خلوصا وانشراحا ، وحسب ذي سلطان من السعادة ان يكون على جنده ورعيته رحمه في عدله وحيطته وانصافه وعنايته وشفقته وبره وتوسعته ، فزايل مكروه احدى البليتين باستشعار تكمله الباب الآخر ، ولزوم العمل به تلق إن شاء الله نجاحا وصلاحا وفلاحا . واعلم أن القضاء من الله بالمكان الذي ليس به شيء من الأمور ، لأنه ميزان الله الذي تعتدل عليه الأحوال في الأرض ، وباقامه العدل في القضاء والعمل ، تصلح الرعية ، وتأمن السبل ، وينتصف المظلوم ، ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة ، ويؤدى حق الطاعة ، ويرزق الله العافية والسلامة ، ويقوم الدين ، وتجرى السنن والشرائع ، وعلى مجاريها ينتجز الحق والعدل في القضاء . واشتد في امر الله ، وتورع عن النطف وامض لإقامة الحدود ، واقلل العجله ، وابعد من الضجر والقلق ، واقنع بالقسم ، ولتسكن ريحك ، ويقر جدك ، وانتفع بتجربتك ، وانتبه في صمتك ، وأسدد في منطقك ، وانصف الخصم ،